عبد السلام مقبل المجيدي
132
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
خلال المعاني السابقة للوحي بالقول : التفهيم والإعلام بالتصويت شيئا بعد شيء ، ولذا لما أراد جبريل عليه السلام أن يستعلن للناس كان لا بد من تمثله بصورة البشر ، بخلاف الصورة الأشد للوحي ، فإنه لا يستعلن ، بل يكون خفيا ، ولكنه محسوس للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والصحابة إنما يرون آثاره - كما سبق - فلذا قال صلى اللّه عليه وسلم : ( هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم ) فلما أراد جبريل عليه السلام أن يعلمهم كان لا بد من أن يتمثل لهم بشرا تدرك عيونهم صورته ، وتدرك أسماعهم صوته كما تقدم في الفصل الثاني مفصلا . وليس تعليم جبريل عليه السلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالتصويت شيئا بعد شيء مسألة فرعية بل هي مسألة من مسائل الأصول ، يذكرها العلماء في كتب العقائد ، فقد جاء في العقيدة الطحاوية عند قول الإمام الطحاوي - رحمه اللّه تعالى - : " نزل به الروح الأمين ، فعلمه سيد المرسلين " قال الشارح : " تصريح بتعليم جبرائيل إياه إبطالا لتوهم القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاما " « 1 » . ومن أدلة كون الوحي القرآني تلقينا : 1 - قوله سبحانه وتعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " النمل / 6 " . 2 - قوله عزّ وجل : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " القيامة / 18 " ؛ ففيها الأمر بالاستماع والانصات ؛ إذ الاستماع والإنصات للملك ينافي الإلهام الذي يقع في النفس دون استماع لأحد ، وينظر المبحث السابق في معنى الآية . 3 - قوله سبحانه وتعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى " الأعلى / 6 " ؛ إذ الإقراء ينافي الإلهام منافاة لغوية وشرعية . 4 - أول لقاء لجبريل عليه السلام بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في غار حراء ؛ إذ أقرأه ولم يلهمه ، بل أكد له الإقراء بضمه إليه .
--> ( 1 ) شرح الطحاوية 315 ، مرجع سابق .